• ×

04:26 صباحًا , السبت 13 ربيع الثاني 1442 / 28 نوفمبر 2020

(( الفلسفة الفرعونية ؟! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن اختلاف زاوية الرؤية تؤثر في دقة وأبعاد القياسات للأشياء والأمور بشكل يجعل من الاستنتاجات شيئا مختلفا ومتباينا أحيانا بين فرد وآخر ؟! كما أن الخبرة والمعرفة كذلك تلعبان دورا واضحا في اختلاف وجهات النظر . فمثلا إذا كان الشخص ينظر إلى شجرتين أو عمودين فإن الأبعاد والقياسات والصورة ستختلف بحسب موقع الشخص وبحسب القرب والبعد منهما والزاوية التي ينظر من خلالها فمرة ستبدو إحدى الشجرتين كبيرة ومرة العكس ، ومرة ستبدو طويلة ومرة العكس ، وكذلك العمودين وهكذا سيختلف الشكل بسبب اختلاف زاوية الرؤيا ؟! ولنا في قصة موسى عليه السلام مع الخضر دليلا واضحا على تعدد زاوية النظر والتصور للأشياء والأمور ! ولنأخذ على سبيل المثال : ( قصة خرق السفينة ) ، قال تعالى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71]. فموسى عليه السلام حكم بظاهر هذا التصرف فأنكره ورآه أمرا فظيعا ستغرق معه السفينة ؛ لأنه نظر من زاوية معينة ! بينما كان تصرف الخضر مبنيا على دراية ومعرفة بما يفعل لأنه كما قال تعالى : { آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] . ولذلك كانت الحكمة من وراء ذلك والتي علمها الخضر ولم يعلمها موسى عليه السلام هي : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] . وقس على ذلك بقية القصة مع الخضر في قتله للغلام وبناء الجدار . وهكذا اختلف التصور لديهما بسبب اختلاف المعرفة والإحاطة بالتفاصيل الأكثر بعدا وعمقا ! وهذا يحدث في حياتنا اليومية الأسرية ، والاجتماعية ، وحتى العملية ( في بيئة العمل ) – يختلف إدراكنا للأمور وتفصيلات الأشياء - فترانا نختلف في الأفكار والتصورات ومن ثم يختلف طرحنا وحوارنا وتقديراتنا وتتباين أحيانا وجهات نظرنا ؟! ويبقى كل ذلك في إطار الأمر الطبيعي والإيجابي الذي يثري الحياة بختلاف التنوع في شتى مجالات الحياة ويمنحنا فرصة الاستفادة من الآخرين ومن خبراتهم وتجاربهم ، وتصحيح تصوراتنا وأفكارنا وكما يقال : ليس فينا من هو أذكى منا مجتمعين !! وطبعا لا يستوي ما ينتجه عقل واحد أمام عقول كثيرة مهما بلغ من الذكاء والعبقرية !! وليس بغريب أن يختلف الناس في آرائهم وتصوراتهم ووجهات نظرهم كما سبق . ولكن ما هو مستغرب جدا أن يتحول هذا الاختلاف الطبيعي إلى خصومات وعداوات وانقسام داخل بنية المجتمع الواحد أو المؤسسة الواحدة ! وذلك بسبب أن البعض من الناس لديه فكر طاؤوسي مستعلي على الآخرين يرفض التنوع والاختلاف في الرأي وتتعمق لديه النظرة الفرعونية : { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]. وطبعا كانت نتيجة هذه ( الفلسفة الفرعونية ) وهذه النظرة الأنانية المفرطة والأحادية الجانب قوله تعالى عن فرعون : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } [هود: 98]. وبسبب تمسك البعض بهذه النظرة الفرعونية ربما انخفضت مستويات كثيرة في الأداء والعطاء ! وإذا كان الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما ، وأفضلهم رأيا : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران: 159] . فكيف بغيره ؟!
فحري بكل عاقل آتاه الله البصيرة والمعرفة ألا يحجر واسعا وأمرا فطريا قد فطر الله به عبادة وجبلهم فيه على الاختلاف بينهم في الفروقات الفردية والفكرة والنفسية وغيرها ، وبما تقوم به مصالح الناس ومعايشهم يقول سبحانه : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [الشورى: 38]. وقال : { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف: 76] . وقال : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] . فتأمل !!

بقلم / إدريس أبكر مجرشي

 0  0  656
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:26 صباحًا السبت 13 ربيع الثاني 1442 / 28 نوفمبر 2020.