• ×

01:46 مساءً , السبت 14 ربيع الأول 1442 / 31 أكتوبر 2020

(( لا يشبهون أنفسهم ؟! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

تزخر الحياة بنماذج كثيرة لأشخاص يختلف ظاهرهم عن واقعهم ، وفكرهم عن سلوكياتهم ، ونظرياتهم عن تطبيقاتهم ، فهم الى حد كبير لا يشبهون أنفسهم ولا يعكسون في الظاهر شخصياتهم الحقيقية في الواقع !
فترى مثلا : داعية يتألق المنابر ولا ينفك عن الحديث عن حسن المعاملة أو حسن المعاشرة ، وواقعه ينطق بعكس ما يقوله تماما – إلا من رحم الله – فلا تراه يعدل في أهله أو يحسن التعامل إلى قرابته أو مع الناس ! وترى مثلا ذلك المتدين في الظاهر وفي واقعه ودنيا الناس تراه يغش في البيع والشراء والمعاملات أو لا يتورع عن الكذب والخداع وهلم جرا ! وترى مثلا ذلك المسؤول أو المدير الفلاني يتحدث ويحاضر عن حسن العلاقة والتعامل وأهميتهما بين المدير وبين موظفيه ، وأن العدل بينهم في الحقوق الوظيفية من أساسيات ومهارات القيادة الإدارية والمدير الناجح ، ثم يكون على النقيض من كل أطروحاته ومحاضراته فتراه يقرب هذا الموظف ويبعد ذاك لا على أساس الكفاءة والجدارة والحقوق الوظيفية ، وإنما بحسب الموافقة والمشاكلة له في كل شيء فكريا ونفسيا وإداريا ! وترى مثلا ذلك الاستاذ الكبير والمدرب القدير والحاصل على الشهادات المعتمدة والمستويات المتقدمة في مهارات الخطابة والالقاء أو مهارات التدريب وتطوير الذات أو حل المشكلات أو الحوار ، وغيرها من برامج التدريب والتطوير وتنمية الذات والقدرات ، ثم تجده في حياته وحين تقابله أو تجالسه أو تحاوره شخصا آخر يختلف كليا أو جزئيا عن الشخص الذي كنت تنصت اليه بإعجاب وباهتمام بالغين في صالة أو قاعة التدريب ! وترى مثلا مثقفا أو مؤلفا أو كاتبا أو شاعرا أو أديبا روائيا أو صاحب قلم سيال ومقالات رنانة أو مغردا يتابعه المئات والملايين أو مشهورا من مشاهير التطبيقات التقنية المعاصرة ، ثم تتفاجأ بواقع مغاير لا ينسجم لا من قريب ولا من بعيد مع شخصياتهم الإعلامية والتقنية والفنية ؛ وقس الكثير على نفس الشاكلة ، ورغم كل ذاك الزخم والشهرة والانتشار فإنهم لا يشبهون أنفسهم !! ويبدو أنهم في عالم افتراضي غير عالمنا ؟! حتى أنك لا تكاد تميز أين يختبئ شرهم من خيرهم فالكثير منهم يتحدث ويكتب بطلاقة ومثالية ومهارة فائقة . قد يقول القائل : الكمال لله وحده وليس هناك من هو معصوم من الأخطاء والانحراف ؟ وهذه مقولة حق بلا ريب . ولست هنا أتحدث عن العصمة أو بلوغ الكمال فذاك هو المحال ؛ وإنما حديثي عن أشخاص متعددي الأدوار ويلبسون أقنعة شتى في كل المناسبات ويتلونون بجميع الألوان ، ولاتتوافق أقوالهم وكتاباتهم مع أفعالهم وسلوكياتهم ؟! مصداقا لقول الحق : { .. لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ .. } [الصف: 2، 3] . نعم ربما يستفاد - بشكل أو بآخر - من انتاجهم من الناحية النظرية والعلمية والفكرية رغم اختلافهم وتناقضهم مع واقعهم – والحكمة ضالة المؤمن - وبصرف النظر عما وراء هذا الواقع المتناقض وعن الخفايا الحقيقية وراءه ينبغي أن ندرك - وهذا هو بيت القصيد - : أن المظاهر قد تخدعنا أحيانا وأن الكلمات ، والعبارات ، والمقولات ، والمقالات ، والمؤلفات ، وحتى الأفكار ، قد لا تكون بالضرورة انعكاسا مباشرا لصاحبها وليست ظلا مثيلا له وقد قيل : أكثر من يكتب عن الحرية هو السجين ! ويقال : " بأن غاندي كان رجل سلام ، لكن يقال بأن حياته الخاصة كانت على عكس ما اشتهر به . ففي سيرته الذاتية يعترف المهاتما غاندي بضربه لزوجته حين كان في جنوب أفريقيا " . وفي حالات كثيرة لا يعدو أن يكون هذا الاختلاف والتباين عن الواقع : إما مجرد هواية لدى الشخص في تحرير المقالات وليس تعبيرا عن فكره أو واقعه ، وإما انعكاسا لحالات نفسية أو اجتماعية ، أو مجرد وظيفة يؤديها الشخص ، أو مجرد مواقف أو حالات معينة يمر بها الشخص ويعبر عنها ، أو شغفا في الشهرة وحب الظهور ، وغيرها من خبايا النفس ومقاصدها ، والتي في حقيقتها لا تنتمي ولا تعبر بحال عن واقع تلكم الشخصيات . وهذا يجعلنا بكل تأكيد ألا نستبق الحكم بمجرد اتفاقنا أو انسجامنا أو اعجابنا بالأشخاص ، وألا نرفع سقف توقعاتنا عاليا فتخيب آمالنا وظنونا بالآخرين أو نصاب بالإحباط عندما نشاهدهم بدون ألوان على شاشة الواقع الحقيقي ، فهم معنا ومن حولنا .

بقلم / إدريس أبكر مجرشي

 1  0  225
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:46 مساءً السبت 14 ربيع الأول 1442 / 31 أكتوبر 2020.