• ×

06:31 صباحًا , الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441 / 11 أغسطس 2020

كورونا بين الإفراط والتفريط ؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من المسلمات في ديننا وثقافتنا أن ترك الأخذ بالأسباب تفريط ، وأن الأخذ بها هو من قدر الله ، وليس مناقضاً للقدر ولا منافياً له . فقد لبس الرسول صلى الله عليه وسلم لأمة الحرب أي الدرع ، ولبس درعين ليعلمنا الأخذ بالأسباب ! وأن رجلا قال : ( يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال : اعقلها وتوكل ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يُورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ ) . فالأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله ؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه .
وقد قال الله تعالى لمريم – عليها السلام : {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } مع أنه تعالى لو أراد لأسقطه لها بدون هز منها . ومن ذلك قوله تعالى عن يعقوب – عليه السلام : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ } محافظة عليهم من العين ثم قال : {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} فقد أخذ بالأسباب والحيطة ، وصرح بأن الاعتماد على الله تعالى وحده فهو متوكل وآخذ بالأسباب معا .
فالعمل بجميع أسباب النجاة لا يقدح ذلك في التوكل على الله عز وجل ؛ بل الأخذ بالأسباب من كمال التوكل .
وينبغي التنبه إلى أن العبد وإن أخذ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها ، ويتوكل عليها ، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها ومسببها . لأنه لو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف .
ومما يدل أن السبب لا ينفع إلا بإرادة الله ما قصه الله في سورة الأنبياء وغيرها عن إبراهيم عليه السلام ؛ فالنار طبيعتها الإحراق ، ولكن عندما لم يرد الله لها أن تؤثر في إبراهيم أحرقت الحطب ، وكانت عليه برداً وسلاماً في آن واحد؛ كما قال تعالى: { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} . وكالطالب الذي يذاكر ويحفظ ويبذل كل الأسباب وفي لحظة الاختبار يأتي السؤال فتخونه ذاكرته ولا يعرف من الجواب شيئاً . وهذا المثال : يدل على أنه ليس على كل حال أن الأخذ بالأسباب يؤدي إلى نتيجة مطلوبة ، فقد تكون النتيجة غير ما تحسبه ، ومن حيث لا تتوقع ، ولذلك حتى لو أخذت بالأسباب يلزمك أن تتوكل على الله ، فالمؤثر الحقيقي هو الله ، ولو شاء أن تتخلف مقتضيات الأسباب لتخلفت فكثير من الناس تتهيأ له الأسباب ، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد .
ومن هنا فإن من المفترض أن يكون المسلم بعقيدته في القضاء والقدر أوفر حظا من غيره من حيث الاستقرار والهدوء النفسي والفكري - في المواقف والابتلاءات - لأنه يتميز بثبات المنهج أمام كل العواصف والمخاطر والمدلهمات! وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم : (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) فما حصل لك من خير أو شر فقد سبق في علم الله وكتابه أنه يصيبك ويحصل لك ، وما أخطأك وما فاتك وما سلمت منه فقد سبق علم الله وكتابه بذلك . وعندما يختل منهج التوكل على الله واليقين بالله أو يتم الخلط بين التوكل على الله والاعتماد عليه سبحانه وبين الاعتماد على الأسباب وحدها ، أو حينما يبالغ في التمسك في اتخاذ الأسباب خارج حدود الشرع والعقل والمنطق فيحدث الاضطراب النفسي والفكري ويصل بالشخص إلى حد الهوس والفزع والذعر وعدم الاستقرار . ومن الناس من يغلو في السبب حتى يجعل السبب هو كل شيء ، ويعتمد عليه حتى ظن كثير من الناس أن فيروس كورونا يلاحقه ويطارده في كل مكان وكأنه قد أرسل له شخصيا ؟!
أخيرا يقول تعالى : { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } فعلى المسلم أن يكون راسخ الإيمان وأن يحسن ظنه بربه ، ويعمل بالأسباب الشرعية والمادية قدر المستطاع وأن يكون متزنا يحسن الظن بالله ويتوكل عليه ويأخذ بالأسباب لينعم براحة البال وسكينة النفس واستقرار الحياة مهما كان الخطب جلل .

بقلم / إدريس أبكر مجرشي

 0  0  2.1K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:31 صباحًا الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441 / 11 أغسطس 2020.