• ×

10:58 مساءً , الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 / 13 نوفمبر 2019

بين طبيعة الاختلاف وسيطرة التوجهات ؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يعد الاختلاف بين الأشخاص أمرا صحيا ومطلبا أساسيا للحياة ولكن الأمر الذي يفصل في ذلك هو الأسلوب اللذي يعبر فيه كل طرف عن رأيه . فاﻷسلوب يلعب دورا مهما في اختلاف وجهات النظر وكلما كان راقيا كان ذلك أدعى للتقبل وبقاء الروابط والعلاقات والاحترام .
وعند الاختلاف فمن المفترض أن تبقى الثوابت كماهي فتبقى اﻷخوة والصداقة والزمالة ولا يفسد الخلاف للود قضية . يقول تعالى :
{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ...} قدمت الأخوة على المظلمة والخصومة . وهكذا يربي القرآن المسلم على احترام خصمه حين الاختلاف . فكيف بمن يخالفك في الرأي فقط وليس في خصومة .
"ومن علامات العاقل عند الاختلاف لا يرفع صوتا ولا ينبش ماضيا ولا يمس جانبا شخصيا ولايستعدي عليك مسؤولا ولايرفض صوابا ولايصادر حقا "
ومن الطبيعي جدا أن نختلف في وجهات النظر فمحال أن نتفق في كل شيء ! ولكن عندما تهيمن التوجهات الفكرية على الحوار والنقاش تسيطر عليه بشكل مباشر وتوجه مساره وتنقله من الطبيعية والحميمية والتواد إلى النزاع والتنافر والتباغض وحتى يصل اﻷمر إلى التلاعن وتبادل الاتهامات ؟! وهذا السلوك كما يقال : هو حيلة العاجز عن تفهم وتقبل وجهات النظر واحترام عقول اﻵخرين . تلكم الثقافة الفرعونية اﻷحادية النظرة ! { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }[سورة غافر٢٩].
والمشكلة أننا لا نمنح أنفسنا فرصة للمراجعة والبحث وغربلة أفكارنا وتصوراتنا ومن ثم محاولة الوصول للتي هي أقوم ؟! وربما كل المحاولات مع اﻷسف تتجه إلى فرض الرأي وكيف يمكن إقناع الطرف اﻵخر ولو بأسلوب الحيل الفكرية والمغالطات المنطقية وحتى الكذب أحيانا ! ولماذا يحدث ذلك ؟ طبعا في الغالب تلعب الضغوط والتوجهات الفكرية والثقافية والنفسية دورا بارزا كما أن الاعتقاد بكامل الصواب من قبل كل طرف يؤثر على طبيعة الاختلاف وهو الذي حكاه الله بقوله :
{ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[سورة الروم٣٢].
فعندما تعتقد بصوابك المطلق فلن يكون هناك أي مساحة لتفهم وجهات النظر اﻷخرى أو أي مساحة حرة للحوار أو النقاش البناء . طبعا القناعة أو ما يسمى الثقة بالنفس أو الاعتداد برأيك أمر مطلوب بل قد يكون ضروري كما يقول تعالى : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ }[سورة الأنعام١١٦].
لكن في المقابل فإن المبالغة والثقة المطلقة بالنفس أيضا غير مطلوب وقد يكون أحيان تهورا واندفاعا ﻷن الكمال لله وحده كما قال تعالى : { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }[سورة يوسف٥٣]. وإذا كانت النفوس جميعا يعتريها الخلل وتخالطها العلل فلا بد للنفس إذا من تهذيب وترويض !
وليس هناك طريقا أفضل ولا أقوم من التوازن والاعتدال والتواضع فمن يبالغ بالتمسك بآرائه حد تقديسها حتما لن يجد من يتفق معه أبدا ولو عاش الدهر كله .
كتبه / إدريس أبكر مجرشي .

 1  0  1.9K
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1440-10-23 01:17 صباحًا أبو فارس :
    كلام جميل جدا
    بارك الله في علمك وعملك استاذي العزيز
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:58 مساءً الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 / 13 نوفمبر 2019.