• ×

03:45 مساءً , الإثنين 13 جمادي الثاني 1440 / 18 فبراير 2019

(( التعثر العاطفي بين الآباء والأبناء ؟! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ربما يكون الكثير من الآباء سعيدا عندما يتعلق الأمر باجتهاد الأبناء في الجانب الدراسي وربما لا يهتم إلا بالمجال الدراسي ويعتقد أنه اﻷجدر بالاهتمام من أجل مستقبلهم ، أو يجعل ذلك معيارا في حسن عنايته وتربيته لأولاده وحسن العلاقة بهم ! بينما في الحقيقة أن الاعتماد فقط على هذا الأسلوب من التربية أو العلاقة قد يفقدنا جانبا مهما في العلاقة مع أبنائنا وهو الجانب العاطفي والروحي المتمثل في المشاعر والأحاسيس المتبادلة بين الطرفين ! فتجد أحيانا أن الابن متفوق دراسيا ؛ لكنه متخلف أو متعثر من الناحية العاطفية والعلاقة الحميمية والاجتماعية تجاه والديه أو أسرته . ويبلغ الأمر ذروته أو خطورته عندما يعكف الكثير من أبنائنا على الانترنت الساعات الطوال وهم يبحثون عن تلكم العواطف والمشاعر ويتبادلونها من خلال شاشتهم الصغيرة بما يسمى ( العالم الافتراضي ) وبواسطة البرامج والتطبيقات والدردشات الالكترونية الجذابة والمثيرة وعن طريق أشخاص أو أصدقاء مختلفين ومتنوعين يملؤون الفراغ العاطفي حيث يصبح هؤلاء ( الأشخاص والأصدقاء ) قادرين على التأثير في السلوك والعواطف والتحكم بها أحيانا ؟!
وهذا الانطواء العاطفي والإدمان الالكتروني ينتج عنه بعض الأعراض والأمراض والظواهر الاجتماعية في أوساط الأبناء مثل : الجفاف العاطفي بين بعض الآباء والأمهات وبين الأبناء ، وكذا الانفصام في الشخصية وحالة القلق والاكتئاب وبعض الانحرافات والسلوكيات السيئة لدى الأبناء . وهي تنتشر في العالم بسبب الإدمان على النت كبديل ، وحتى أن بعض الدول الأجنبية سعت في إنشاء ما يسمى دور إصلاح لإعادة ( التأهيل العاطفي ) لدى بعض الشباب الذين تعاني الأسرة من بعض سلوكياتهم وخاصة تجاه الوالدين وذلك بإيداعهم مدة محددة تحت رعاية هذه الدور وتقديم برامج مكثفة تتعلق بالتأهيل العاطفي ، طبعا يكون ذلك بعد لجوء أو تقديم أحد الأبوين أو كلاهما طلبا إلى دور التأهيل . ومن تتحسن حالته يعاد تسليمه إلى والديه وأسرته !
وهذا الواقع العاطفي المتدهور يتطلب معالجة سريعة واهتمام أكبر من كثير من الآباء وأن يسعوا إلى تدارك أبنائهم عاطفيا قبل خروج الأمر عن حدود السيطرة وقبل اتساع مساحة الجفاف العاطفي أو تحولها إلى حالة من التصحر العاطفي وموت العلاقة أو جمودها ؟! قد يشعر بعض الآباء ومن خلال هذا المقال ، وحال التأمل في الواقع المشاهد لأبنائهم ؛ فيتساءلون كيف يمكنهم *أن يتداركوا ما فاتهم في هذا الجانب الهم أملا على أقل تقدير في تحقيق التوازن العاطفي لأبنائهم والحد من جنوحه ؟! والأمر يتعلق أولا بمدى إدراك الآباء والأمهات ووعيهم بأهمية الاشباع العاطفي لأبنائهم ومدى خطورة النتائج المترتبة ؛ ثم بقدر الممارسة الفعلية للمشاعر تجاه الأبناء وتبادلها فلا يستقيم الظل والعود أعوج ! فلا يمكن أن تكون هناك أجواء عاطفية مفعمة بالحب ما لم تكن المشاعر صادقة وموجودة بالفعل في قلب الأب والأم وتمارس بشكل فعلي وظاهر بحيث يشعر بها الأبناء من خلال أحزانهم وأفراحهم ومناسباتهم ، ولكن كما يقال : فاقد الشيء لا يعطيه ! والحقيقة هناك بعض الآباء مع الأسف وكأنه خال الدسم أو المشاعر ، ويذكرنا بقصة ذلك الرجل : ( عندما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي ، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس ، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ! فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : من لا يرحم لا يرحم ) . وبعضهم مع الأسف يبرر جموده العاطفي ويعلقه على الطبع وبعبارته ربما يقول : هذا طبعي ؟!
وربما يراها بعضهم عيبا أحيانا ! كالتعبير بسلوك الاحتضان أو التقبيل أو المدح بعبارات عاطفية ووجدانية . وهناك بعض الآباء عنده حب شديد لأبنائه ولدية عاطفة جياشة ؛ ولكن ربما مشكلته في كيفية وطريقة التعبير عن مشاعره ! المهم أن المسؤولية الجسيمة بالدرجة اﻷولى يتحملها الآباء تجاه ذلك الجمود العاطفي . وبالمحاولة والتعود في إظهار مشعارنا تجاه أبنائنا يمكن أن نغير كثير من سلوكياتهم . كما أنه ينبغي للأبناء في الجانب المقابل : أن يتفهموا أن وسائل التعبير عن مشاعر الوالدين تجاه أبنائهما لا تقتصر على وسائل وطرق محددة بعينها ٍفيمكن للأم أو الأب أن يعبر كلا منهما بطريقة مختلفة ، فالهدايا والألعاب تعبير ، وتوفير الاحتياجات والطلبات تعبير ، والسؤال عن الحال تعبير ، والنصح والتوجيه تعبير ، والتشاور معهم تعبير ، والقلق على سلامتهم تعبير ، والحرص على راحتهم تعبير ، والكد والتعب من أجلهم تعبير ، والفسحة والتنزه والانتجاع تعبير وغيرها الكثير من الوسائل . إن محاولة فهم الآباء لسلوكيات أبنائهم وعواطفهم وطريقة تعبيراتهم ، وكذلك العكس محاولة فهم الأبناء واستيعابهم لطريقة آبائهم وأمهاتهم وتعبيراتهم عن مشاعرهم وعواطفهم تجاههم يؤدي إلى حالة من الاحترام والتقدير والاستقرار الأسري والاجتماعي .

كتبه / إدريس أبكر مجرشي

 0  0  292
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:45 مساءً الإثنين 13 جمادي الثاني 1440 / 18 فبراير 2019.