• ×

12:25 صباحًا , الأربعاء 13 رجب 1440 / 20 مارس 2019

(( عالمنا المشوش من يصنعه ؟! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يقال : " إذا كان الجميع يفكرون بنفس الأسلوب فلا أحد يفكر !! " جورج باتون .
من المؤسف أننا نعيش اليوم في عالم مشوش ومضطرب ومتناقض ومتسارع في نفس الوقت فهناك خلط للأوراق وعبث بالحقائق ومغالطات منطقية وغير منطقية وجهل بسيط وآخر مركب وأمزجة وأهواء وأدواء تنتشر في الناس كلمح البرق حتى أصبحنا كالغثاء لا تكاد تميز بين الغث والسمين ، بين الضار والنافع ، بين الصادق والكاذب ، اشتبكت الأمور وتشابكت وتعقدت لدرجة يكون فيها الرجل الحليم الرشيد حيران يترنح من هول الواقع ، لا يكاد يهتدي إلى صواب ؟! ولست هنا لكي أقول : ( هلك الناس ) فأكون أهلكهم ، أو أحرض على التشاؤم ، ولكنها صورة معبرة عن واقع يشهد بكل ما فيه بتنامي حالة الانفصام وانخفاض مستوى مؤشرات القيم الدينية والإنسانية والأخلاقية وأصبح العالم الفاضل المنشود - بكل قيمه ومعطياته - وكأنه عالم افتراضي لا وجود له إلا في جدليات الميتافيزيقيا والفانتازيا للوصول إلى المدينة الفاضلة أو الحالمة ! أو في نظرية الخيال العلمي والسفر عبر الزمن والعودة إلى الماضي أو القفز إلى المستقبل لعلنا نغير الأحداث أو المعطيات أو القيم ؛ ولذلك ربما أصبح الكثير يجنح إلى عالم الخيال والأحلام لكي يخرج من ضغط الواقع وتأثيره لعله يجد المتعة والتسلية والراحة !
ولكنها على الحقيقة حالة افتراضية عابرة سرعان ما تتكسر من جديد على صخرة الواقع بكل قسوتها ومرارتها وشدتها والتي لا تجامل ولا تحابي أحدا ! لأن هناك فارق كبير بين أن تعيش داخل محيط هذا الواقع وتتفاعل معه بكل أحداثه ومخرجاته ، وبين أن تعيش خارجه تماما ؟!
فإن العيش خارجه لا يتطلب كثير عناء فيكفي الانعزال والانغلاق والنأي بالنفس عنه وإن كان هذا قد لا يتاح لكل أحد . أما إذا قررت خوض غمار هذا الواقع أو السقوط في معمعته – مختارا أو مضطرا - فستكون أمام خيارين كلاهما صعب للغاية ، كما يقول أبوفراس الحمداني :
وقال أصيحابي الفرار أو الردى ..
فقلت هما أمران أحلاهما مر ..
فإما أن تحافظ على قيمك ومبادئك وأنت تخوض معركة الواقع ، وهذا قد يتطلب منك حالة استنفار كاملة من الوعي والإدراك والمهارة والمصابرة والمكابدة والخبرة والتجارب لكي تبقى متزنا ومحافظا قدر الإمكان على شيء من قيمك وأخلاقك وإنسانيتك ؟! وأما الخيار الآخر وهو أن تكون مستعدا لأن تفقد وتخسر أو تتخلى عن شيء من قيمك ومبادئك لتجد نفسك في النهاية قد سئمت كل ماله علاقة بالقيم ، والمبادئ ، والإنسانية ، وحينها ربما لا تختلف تماما عن الحيوان في شيء ، بل وأسوأ من ذلك حين تبرر سلوكياتك وتعاملاتك وانسلاخك من إنسانيتك بحجة متطلبات وضغوطات الواقع ؟!
وطبعا بهذه الصورة الأخيرة السلبية فنحن بالفعل من يصنع هذا الواقع الكبير المشوش ونحن من يساهم في اتساع مساحته ، والفرد هو المكوّن والعنصر الأساسي للمجتمع وهو المسؤول عن بناء المجتمعات ! ويحكى أن رجلا قال : كنت أريد تغيير العالم بينما كان عمري 20سنة ، وقد وجدت أنه من الصعب تغيير العالم ، لذلك حاولت جاهدا أن أقوم بتغيير بلادي بينما كان عمري 40 سنة ، وعندما وجدت أن هذا أيضا صعب ، حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن أغير مدينتي وقتها كان عمري 60 سنة ، وقد وجدت أن هذا كذلك صعبا ، وبينما كان عمري 80 سنة عندها حاولت أن أغير عائلتي ، والآن وبعد أن أصبحت رجلا كهلا ، أدركت أن الشيء الوحيد الذي كان يمكنني أن أغيره هو " أنا " ، إذ لو كنت قد فعلت ذلك بالماضي لاستطعت أن أغير عائلتي ومن بعدها مدينتي ومن ثم بلادي .. وأخيرا العالم ..!!
ولذا يقال : خذ الحكمة من حيث انتهى الآخرون ؛ لأنك لن تعيش طويلا لكي تتعلم كل الأخطاء ؟! .
وصدق الله ، إذ يقول تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .

كتبه / إدريس أبكر مجرشي

 1  0  445
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:25 صباحًا الأربعاء 13 رجب 1440 / 20 مارس 2019.