• ×

10:37 مساءً , الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018

(( الدوغماتية الليبرالية ! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

في خضم ما يسمى بـ ( حرب المصطلحات ) وتوظيفها في الصراعات الفكرية والأيديولوجية تطفو على السطح بعض المصطلحات المقصودة وتتشكل في نقاشاتنا اليومية والثقافية والأدبية ويُروج لها بغرض إحداث التغيير والتأثير في البنية الثقافية والمعرفية . ومن تلكم المصطلحات مصطلح ( الدوغمائية أو الدوغماتية ) حيث يعود أصل الكلمة إلى اليونانية والتي تعني : " حالة من الجمود الفكري ، يتعصب فيها الشخص لأفكاره لدرجة رفضه الاطلاع على الأفكار المخالفة ، وإن ظهرت له الدلائل التي تثبت له أن أفكاره خاطئة ، سيحاربها بكل ما أوتي من قوة ، ويصارع من أجل إثبات صحة أفكاره وآراءه ، حالة شديدة من التعصب للأفكار والمبادئ والقناعات ، لدرجة معاداة كل ما يختلف عنها . تعتبر حالة من التزمّت لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته ، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري " . وهو ما يشابه مصطلحات التعصب والتحجر والجمود لدينا !
ويطلق دعاة ومبشري التنوير من علمانيين وليبراليين وحداثيين مصطلح ( الدوغماتية الدينية ) ليشنوا حربا على الموروث الديني : ( عقيدة ، وعلماء ، وفقهاء ، ونصوص دينية ) ويصمونه بالجمود والراديكالية في محاولة مستميتة لعلمنة المجتمعات وفصل الدين عن الحياة وتقويض شمولية الإسلام وهيمنته وسيطرته على حياة المسلمين ؟! كما يتلاعبون بمصطلحات أخرى والتي يشوبها التضليل والضبابية كالغنوصية ، والأبستمولوجية ، والأمبريقية ، والأنسنة ، والأصولوية ، والسلفوية ، والزمكانية ، والمكانزماتية ، والهرمونوطيقية والديماغوجية وغيرها !!
والواقع أنه ليس في الإسلام دوغمائية دينية بل هناك ثوابت إيمانية قرآنية ، ولا إكراه في الدين ، وهناك مذاهب وأراء فقهية متعددة ( كالمذاهب الأربعة والفقه المقارن وغيرها ) ، وأقوال للعلماء مختلفة في شتى مسائل الفقه والدين ، والعالم في الإسلام لا يماثل ما يسمى - بقداسة البابا الذي يمتلك صلاحية الغفران - بل يؤخذ من قوله ويرد عليه . فأين الجمود والدوغماتية ؟! نعم يوجد دوغمائية فكرية المتمثلة في التزمت والتعصب والتشدد لدى البعض ! ولكن هذا متعلق بسلوكيات ومنهجيات الأشخاص أنفسهم والتي هي ( خارجة عن السياق ) ولا علاقة لها بأصالة الدين ومنهجية الإسلام وسماحته ورحابته !
والحقيقة كما يقال : ( رمتني بدائها وانسلت ) فكل المعاني والمفردات التي يمكن أن يتضمنها مصطلح ( الدوغمائية ) وبدون أدنى مبالغة ومن خلال الواقع والاستقراء والتتبع لمقالات وأدبيات الليبراليين ومن لف لفهم وحربهم الضروس فإن وصفهم ( بالدوغمائية الليبرالية ) هو عين الحقيقة وكبدها وأقرب في تشخيص حالتهم النفسية والأيديولوجية . فالفكر الليبرالي نفسه هو فكر ( مأزوم ) وفكر إقصائي متطرف – خاصة إذا تمكن - فهو يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ويزعم أنه حاميا للحريات والحقوق . ولا يقر بالرأي الآخر ويرفض الحوار ولا يبالي بالحقائق والثوابت ولا يعترف بخصوصية المجتمعات ويمارس الإسقاط والسفسطائية وهلم جرا ؟! فأي الفريقين أحق بوصف ( الدوغمائية ) والفكر الأحادي الاستبدادي ، إن كنتم تعقلون ؟!!

كتبه / إدريس أبكر مجرشي

 1  0  254
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:37 مساءً الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018.