• ×

11:11 مساءً , الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018

(( المعركة القادمة ؟! ))

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

طبعا المقصود ( بالمعركة القادمة ) هي معركة التنوير العربي القادمة ! كما يصورها الكاتب التنويري ! هاشم صالح – هو ومن شاكله من المرابطين على ثغور التنوير – في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط العدد (14482) بتاريخ 23 يوليو 2018 م ، تحت عنوان ( لماذا أحلم بعصر تنوير عربي؟ ) . لكنها – كما يراه الكاتب - حرب دون هوادة فليتأهب الجميع !! ويبتدئ مقاله ببالغ الإعجاب برموز وفلاسفة التنوير الذي يستقي منهم روح الحرب والمقاومة والتنوير فيقول :" لماذا أنا معجب بشخص مثل فولتير؟ ليس فقط لأن نيتشه أهداه أحد كتبه الشهيرة قائلا: إلى فولتير أحد كبار محرري الروح البشرية. المقصود بأنه حررها من الدوغمائيات الدينية المتحجرة " اهـ .
ويحلم الكاتب في مقاله بعصر تنويري عربي ويتنبأ بمعركة عنيفة وضروس فيقول : " لذلك أتوقع أن تكون معركة التنوير العربي القادمة ضارية بل وأكثر من ضارية. وذلك لأن المشكلة أصبحت منك وفيك ولم تعد مع عدو خارجي ؟!. ينبغي أن تحارب نفسك ، أن تصارع نفسك ، أن تنتصر على نفسك. هنا يكمن لب المسألة وجوهرها ". طبعا الكاتب كغيره من الإسقاطيين الذين يمارسون الإسقاط الفكري والثقافي الوافد على مجتمعاتهم وقد ألمحت إلى ذلك في مقالي ( متلازمة الغباء ) وهي متلازمة يعاني منها القوم ! فهم يريدون على حد تعبير الكاتب أن يصارع المجتمع ويحارب نفسه بنفسه ، ويدمر نفسه بنفسه ! وذلك بفرض ومحاكاة تجربة أوروبية غربية مختلفة المعايير والقيم عن مجتمعاتنا وتحت مظلة ( التنوير والتحرير ) وما زال بعض كتابنا العرب يستنسخون تلكم التجربة حيث اضطهاد الكنيسة ورجال الدين لمجتمعاتهم فيما سمي ( بالعصور المظلمة ) بسبب المعتقدات اللاهوتية المسيحية والكنسية والتي أدت بتلك المجتمعات بداية إلى حروب أهلية ونزاعات طائفية ( وخاصة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين والطوائف المسيحية الأخرى) وإلى حالة من الثورات ضد الكنيسة وضد رجال الدين الباباوات ثم في النهاية إلى الثورة ضد الدين نفسه ( المعتقدات الأصولية ) ! ويعتقد هؤلاء – المستبصرين !- في مقارنة غير واعية وغير عادلة أنه بسبب محاربة الدين وإقصائه عن الحياة تقدم العالم الغربي ؟! فيقول الكاتب : " ومصطلح التنوير يدل على تلك الحركة الفكرية النقدية التي ازدهرت إبان القرن الثامن عشر وأدت إلى تفتح الأفكار الفلسفية الجديدة وانتشارها وحلولها محل الأفكار اللاهوتية المسيحية القديمة. وبالتالي فإن مشروع التنوير العلمي والفلسفي هو الذي أدى إلى صنع كل هذه الحضارة الجبارة التي نشهدها الآن في أوروبا وأميركا الشمالية " اهـ . وهذا ما يسمونه بالقياس مع الفارق وهو قياس أهوج وغير منطقي ! وهذا هو بعينه الجمود الفكري والغباء المتلازم !
" طبعا تاريخ الاضطهاد الكنسي ورجالاته في عصور أوربا وما يعرف بصكوك الغفران وقمع العلم والعلماء واستعباد العباد وفساد رجال الدين النصراني من رهبان وقساوسة وغيرهم كل ذلك أدى إلى حركات إصلاحية دينية وثورات مجتمعية أدنت بالنهاية إلى التمرد على الدين وإقصائه عن الحياة باعتباره ضد الحريات وضد العلم وضد التطور والحضارة . ولا يمكن القياس بحال بين التجربة الغربية في نبذ الدين وتعاليمه وبين التجربة الإسلامية لا من حيث الظروف ولا من حيث المبادئ والقيم وهذا ما يقع فيه مع الأسف الكثير من المفكرين عند تناولهم للمقارنة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي أو بين حالة التطور والرقي الغربي عندما تخلوا عن صلتهم بالدين وبين حالة تخلف العالم العربي والإسلامي حضاريا في عصرنا الحديث رغم تمسكهم بالدين . وربما تحمس بعضهم بحسن نية أو بسوء طوية إلى فكرة منابذة الدين الإسلامي ومحاولة تنحيته عن الحياة لعل وعسى أن نواكب التطور والرقي متجاهلا بصورة غير منطقية كل الفروقات والاختلافات والموروثات الثقافية والاجتماعية والدينية .
فالبعض يريد تحويل مجتمعاتنا إلى حقول تجارب لنظريات وفلسفات وثورات ومذاهب فردية شخصية او اجتماعية بصرف النظر عن مدى جدواها وصلاحيتها أو حتى ملائمتها للواقع وربما يدفعه إلى ذلك التأثر بالثقافة أو حافز التغيير والمخاطرة والتجربة أو ما يسمى بكسر الجمود الفكري والثقافي والفقهي فينساق وراء ظاهرة التغيير دون إدراك تام للنتائج والمترتبات ولذلك اللوثريين عندنا كثير في عالمنا العربي والإسلامي وليس لهم مذهب أو اتجاه واحد .
والاصلاح أو عملية التغيير الحقيقية هي في واقعها الفكري والعملي عملية انسيابية ومرنة ومتلائمة ومنسجمة وليس العكس . وأي تغيير يكون طابعه الفرض والقسر فهو تغيير ضد نفسه بكل المقاييس ؟!
وأي عملية إصلاح تقوم كردة فعل أو تقوم على أساس المذهبية أو الحزبية أو الأحادية أو على أساس أسقاط الآخر ولا تراعي الثوابت والمتغيرات والمصالح الكبرى ، ولا تقيم وزنا للمبادئ والقيم والأخلاق هي أقرب إلى الفشل والفوضى والانقسام " .[ جزء من مقال اللوثريون الجدد ] .
يختتم الكاتب ( المحارب ) مقاله قائلا : " لكن قبل اختتام هذا الحديث لا بد من المصارحة حتى ولو كانت مرة وجارحة. لن يدخل العرب التاريخ ولا المسلمون ككل ما لم تتغير عقليتهم القديمة وتتفكك يقينياتهم التراثية الجبارة التي أصبحت عالة عليهم وعلى العصر. وهذه عملية عويصة وشائكة سوف تكلف ثمنا غاليا. لهذا السبب يتردد المثقفون العرب المستنيرون في القيام بها ويخشونها كل الخشية. فهي ستؤدي إلى تمزق كبير وإلى نزيف دموي حاد. لأفصح أكثر وأقول: إننا مطالبون الآن بغربلة التراث كله من أوله إلى آخره غربلة صارمة لا هوادة فيها. ورغم أن هذه اليقينيات التراثية عزيزة على قلوبنا وغالية علينا لأننا تربينا عليها وتشربناها مع حليب الطفولة إلا أننا مضطرون للانفصال عنها أو التخلص منها " اهـ . مع بالغ الأسف لايوجد في قاموسهم سياسة الاحتواء أو ملء الفراغ ، ولا سقف لديهم للوسطية أو الاعتدال أو الحد المشترك فقط بنفس المكيال : ( إقصاء أو تخلص أو تمزيق أو نزيف دموي ) ولذلك تراهم ينادون ولا يزالون في كتاباتهم وأبجدياتهم بالقطيعة المطلقة والكاملة مع الموروث سواء الديني أو الثقافي أو الاجتماعي شعارهم مع الأسف ( خَرّب تَسُد ) فوضى خلاقة عارمة من لا شيء إلى لا شيء ، فهل من رجل رشيد ؟!

كتبه / إدريس أبكر مجرشي

 0  0  234
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:11 مساءً الإثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018.